محمد بن وليد الطرطوشي
59
سراج الملوك
العالمين ، والله لا عصيت ربّي ما عصمني بعد يومي هذا ، فتوجّهت إلى أهلي ، وخلّفت فرسي ، وجئت إلى بعض رعاة أبي ، فأخذت جبّته وكساءه ، وألقيت إليه ثيابي ، فلم أزل أرض تقلّني ، وأرض تضعني ، حتى صرت إلى العراق ، فعملت بها أياما ، فلم يصف لي شيء من الحلال ، فسألت بعض المشايخ عن الحلال ، فقال : عليك بالشام . قال : فانصرفت إلى مدينة يقال لها المنصوريّة ، وهي المصّيصة « 1 » ، فعملت بها أياما ، فلم يصف لي شيء من الحلال ، فسألت بعض المشايخ ، فقال : إن أردت الحلال فعليك بطرسوس « 2 » ، فإن المباحات بها والعمل كثير ، قال : فبينا أنا قاعد على باب البحر ؛ إذ جاءني رجل فاكتراني أنظر له بستانا « 3 » ، فتوجهت معه ، فكنت في البستان أياما كثيرة ، فإذا أنا بخادم قد أظل « 4 » ، ومعه أصحاب له ، ولو علمت أن البستان لخادم ما نظرته ، فقعد في مجلسه ثم قال : يا ناطور « 5 » ، فأجبته ، قال : اذهب فأتنا بأكبر رمّان تقدر عليه وأطيبه ، فأتيته برمّان ، فأخذ الخادم رمّانة فكسرها ، فوجدها حامضة ، فقال : يا ناطور « 5 » ؛ ما هذا ؟ أنت منذ كذا وكذا في بستاننا ، تأكل من فاكهتنا ورمّاننا ، لا تعرف الحلو من الحامض ؟ قلت : والله ما أكلت من فاكهتكم شيئا وما أعرف الحلو من الحامض . قال : فغمز الخادم أصحابه ، وقال : ألا تعجبون من هذا ؟ ثم قال لي : لو كنت إبراهيم بن أدهم ما زاد على هذا . فلما كان من الغد ، حدث الناس في المسجد بالصّفة « 6 » ، فجاء الناس عنقا « 7 » إلى البستان ، فلما رأيت كثرة الناس اختفيت ، والناس داخلون ، وأنا هارب منهم .
--> ( 1 ) المصيصة : مدينة على ساحل البحر المتوسط ، بين أنطاكية وبلاد الروم ، تجاور طرطوس ، وتطلق أيضا على قرية من قرى الشام قرب بيت لهيا . ( معجم البلدان 5 / 169 ) . ( 2 ) طرسوس : مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب ، تقع على نهر طرسوس ، فتحها المأمون ، وفيها دفن . ( معجم البلدان 4 / 31 ) . ( 3 ) أي : استأجرني لأحرس له بستانه ، وأحافظ عليه . ( 4 ) أي : دنا واقترب . ( 5 ) الناطور : حافظ البستان وحارسه . ( 6 ) الصّفة ، مصطبة مرتفعة . ( 7 ) عنقا : جماعات .